أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 51
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الأمر الثامن وأخيراً أشير إلى فائدة الثقافة التاريخيّة ومساهمتها في التخفيف من حدّة الأزمات النفسيّة التي قد يولّدها الاصطدام مع الواقع الخارجي ومعطياته . ودعونا هنا نعرّج مباشرةً على ما يرتبط من الكتاب بهذا الجانب ، فإنّنا قد نورد بعض الروايات التي قد لا يستسيغها القارئ - وإن كنّا قد نبّهنا على أنّنا لا نتبنّى كلّ ما نورده - فيردّها لمجرّد تصادمها مع بعض المسلمّات التي لا يصادق على سلامتها الواقع الخارجي . ومنهجنا في التعامل مع أصل الجامع الذي تجتمع حوله الأخبار قائمٌ على حساب الاحتمالات ، وإليك بعض النماذج : المثال الأوّل : يحضرني الآن مثالٌ أوردناه ضمن أحداث سنة 1387 ه - : فقد حدّثني الأستاذ محمود سالم صاحب دار الفكر ببيروت بأنّه كان يزور السيّد الصدر ( ره ) مرّتين في السنة تقريباً ، وقد بقي على ديدنه هذا حتّى بعد طلب السيّد الصدر ( ره ) منه التوقّف عن طباعة كتبه نتيجة بعض الحرج الذي وقع فيه ( ره ) مع دار أخرى . وذات مرّة وصل الأستاذ سالم إلى منزل السيّد الصدر ( ره ) عند الظهر في وقتٍ لم يره مناسباً للزيارة ، فقصد حرم الإمام علي ( ع ) ريثما يصبح الوقت ملائماً . وقد تأذّى هناك من مشهد قابضي النذورات وغيرهم من المعتاشين على هذه الأمور . وعندما التقى بالسيّد الصدر ( ره ) أخبره بما جرى معه ، فبادله ( ره ) استياءه هذا ، فقال له : « سيّدنا ، أنتم العلماء ، أليس من واجبكم الردع عن هذه الأمور ؟ ! » ، فتبسّم السيّد الصدر ( ره ) وأجابه بكلّ شفافيّة : « إنّ مشكلة علماء السنّة هي أنّهم توظّفوا عند الدولة ، فهم عنها ساكتون ، ومشكلتنا نحن أنّ وارداتنا من عامّة الناس ، فنسكت عنهم قليلًا » . قد يسارع بعض القرّاء لردّ هذه الرواية مع ما تحمله ، لمجرّد إشعارها بأنّ العنصر المالي دخيلٌ في تحديد مسار بعض سياسات المرجعيّة . وأنا أقدّر شعور هذا الصنف من القرّاء ، لأنّني أعي تماماً طبيعة البيئة التي تكوّنت فيها قناعاته ، ولكنّي على الصعيد الشخصي تجاوزت هذه المرحلة ولم أعد أشعر بأزمة نفسيّة إذا طرقت سمعي هذه الحكايا ، لأنّني وبكل بساطة استطعت الجمع بين الإيمان العملي بعدم عصمة من لم تثبت عصمته ، وبين محاولة تبرير الدوافع متى كان مجالٌ لذلك ، والمجال واسع . . ولستُ أدري حقّاً ما المشكلة في أن نفترض صحّة رواية من هذا القبيل - طبعاً بعد الإيمان بأنّ الإمكان لا يكفي في نفسه مبرّراً للبناء على الصحّة إذا لم تتوفّر المبرّرات الموضوعيّة لذلك - ونفترض في الوقت نفسه أنّ الذين راعوا عوام الناس كانوا فعلًا بانين بأنّ المصلحة الدينيّة من وراء مراعاتهم والحفاظ على مقدّرات المؤسّسة المرجعيّة أكبر من مفاسد مقاطعتهم ؟ ! ما المشكلة في ذلك حتّى لو اعتقدنا مثلًا بأنّهم مخطئون وبأنّ المفاسد هي الأعظم ؟ ! طبعاً ، جواب السيّد الصدر ( ره ) هذا ممّا يُمكن تأييده بحوادث أخرى : 1 - فالشهيد مرتضى المطهّري ( ره ) يشير إلى الموضوع بالشفافيّة نفسها وبالوضوح نفسه ، حيث يعترف بأنّ من العناصر الإيجابيّة للعامل المالي لدى الشيعة استقلال المؤسّسة الدينيّة عن الدولة وقدرتها على الوقوف بوجهها ، ولكن من عناصره السلبيّة حمل العلماء على مراعاة أذواق عوام